فخر الدين الرازي

224

المطالب العالية من العلم الإلهي

يوما ، ثم تبقى علقة أربعين يوما ، ثم تبقى مضغة أربعين يوما . والمشاهدات الطبية دلت على أن الأمر ليس كذلك « 1 » . فإنه في مدة أربعين يوما يتكون الولد بتمامه ، ومشاهدة السقط يدل على هذه الأحوال . وإذا كان هذا الخبر مشتملا على الخطأ ، وجب تنزيه منصب النبوة عنه . الثالث : إن الأمر لو كان كما قرره في كتاب « الجبر » وجب أن يكون الكفار كلهم معذورين . وفي ذلك بطلان نبوته ورسالته . والفرع إذا أدى إلى فساد الأصل ، كان باطلا . سلمنا : صحة الحديث . لكن الحديث لا يدل إلا على أن جميع أفعال العباد بعلم اللّه وبحكمه . وذلك لا نزاع فيه . لأن مذهبنا أنه تعالى كان عالما في الأزل ، بأن « زيدا » سيكون مؤمنا مطيعا ، وأن « عمرو » سيكون فاسقا كافرا . وأنه لا يصدر عنهما إلا ما علم اللّه صدوره منهما ، وهذا القدر لا يدل على أنه لا قدرة للعبد على خلافه ، لأن العلم لا يقلب الممكن محالا ، ولا يخرجه عن حد الجواز . أما قوله : « لو لم يحصل ذلك المعلوم لانقلب العلم جهلا ، والصدق كذبا » قلنا : لما رجع حاصل الاستدلال إلى هذا الحرف ، لم يبق لخصوصية هذا الخبر فائدة فإنه يقال : إنه تعالى علم من كل أحد فعله المعين ، فوجب أن لا يقدر على تركه ، وإلا لزم انقلاب علمه جهلا . ولا يقال : إنا نستدل بهذا الخبر على أنه تعالى عالم بالجزئيات . لأنا نقول : إثبات النبوة فرع لهذه المسألة . فلو أثبتناها ، نقول : النبي لزمه الدور . وإنه محال . ثم نقول : الإشكال الذي ذكرتم إنما يلزم لو حكم اللّه بأفعال العباد حكما مطلقا . وهذا ممنوع . بل عندنا : أنه تعالى يحكم بها مشروطا ، فيقول : إن صدرت الطاعة عن « زيد » دخل الجنة ، وإن صدرت المعصية عنه دخل النار . وإذا كان هذا الحكم مشروطا ، لم يلزم من تغير فعل العبد : تغير علم اللّه ، وتغير حكمه .

--> ( 1 ) دلت المشاهدات الطبية على أن الروح في الجنين من حين النطفة .